التعليم في القدس في مواجهة موجات التهويد والأسرلة

يعاني قطاع التعليم في مدينة القدس كغيره من القطاعات الحياتية في المدينة المحتلة، من حصار مطبق، وهجمةٍ قاسية لأسرلته، فمع ضعف الإمكانيات الماديّة وعدم القدرة على ترميم الأبنية المدرسية، تقوم أذرع الاحتلال وعلى رأسها بلديته في القدس، بالضغط نحو ضم القطاع التعليمي للمنظومة “الإسرائيلية”، وتطويع التعليم ليخدم سياسة المحتلّ وخططه. تهويد “التعليم” يظهر عبر ما تقوم به بلدية الاحتلال في القدس ووزارة “معارف” الاحتلال، من إجبار المدارس الفلسطينية وعلى رأسها الأهلية – الخاصة- لتطبيق المنهاج “الإسرائيلي” في مقابل تقديم المساعدات المالية “السخيّة” من قبل سلطات الاحتلال.

ومنذ احتلال المدينة عام 1967 تتنوع مرجعيات المدارس فيها، فثمة مدارس الأوقاف والمدارس الأهليّة الخاصة ومدارس الأونروا والمدارس التابعة للاحتلال وتصل نسبتها إلى 53% من مدارس القدس.
أمام هذا التشتت وقدرة الاحتلال على فرض سيطرته على جزءٍ لا بأس به من القطاع التعليمي، تعتبر المدراس الأهلية “الخاصة” الحلقة الأضعف في إطار تغيير هذه النسب، حيث أصبحت رهينة المعونات المالية المقدمة من بلدية الاحتلال، والتي قُدمت لسنوات غير مشروطة، ولكن تقديم هذه المنح الماليّة أصبح رهنًا لتجاوب هذه المدارس مع قرارات ومطالب سلطات الاحتلال، وعلى رأسها تطبيق مناهج التعليم الرسميّة الإسرائيلية أو تلك المعدلة، فتنضم المدارس الفلسطينيّة الخاصة بشكل اختياري أو إجباري لمنظومة الاحتلال التعليمية، ويصبح الطفل المقدسي معرضًا لتغيير ثوابته ومعارفه وثقافته.
هذه التحديات الكبيرة تأتي مع عدم قدرة الشطر الشرقي من القدس على توفير المقاعد الدراسيّة اللّازمة للطلاب الفلسطينيين، فقد كشفت أسبوعية “يروشاليم” العبرية عن وجود نقصٍ في الصفوف المدرسيّة في القدس، قدّر بـألف صف دراسي، مما يدفع حوالي 180 مدرسة تضم أكثر من 105 آلاف طالب فلسطيني، على زيادة استيعاب الصفوف الحالية، الأمر الذي يقلل من جودة العملية التعليمية، ويجبر جزءًا من الطلاب على التسرب المدرسي أو الالتحاق بمدارس التابعة للبلدية.
وفي سياق متصل كشفت الصحيفة بأن الاستثمار لمصلحة الطالب الفلسطيني ضعيف جدًا مقارنةً بالطالب اليهودي، فقد قامت بلدية الاحتلال خلال الإجازة الصيفية باستثمار ما يزيد عن 46 مليون شيكل (حوالي 12 مليون دولار) لتحسين المدارس الرسميّة التابعة لها تحضيرًا للعام الدراسي القادم. وفي مقابل هذا العطاء الضخم، قامت بلدية الاحتلال بصرف مبلغ 4,8 مليون شيكل (حوالي 1.2 مليون دولار) على المدارس في الشطر الشرقي من القدس، مع أن عدد طلابها يزيد بنسبة الضعف عن عدد طلاب المدارس الرسميّة الإسرائيليّة. كما أن هذه الأموال لا تصل لجميع المدارس، حيث يعتمد الاحتلال تقديم هذه الأموال للمدارس التي تعتمد على المنهاج الإسرائيلي حصرًا، وترفض تقديم المساعدات المالية والدعم للمدارس المقدسية التي تعتمد على المنهاج الفلسطيني، ويصل عدد هذه المدارس نحو 180 مدرسة، ويعاني الكثير منها من صعوباتٍ ومشاكل مادية، وسط غياب الدعم وازدياد الحاجات.

 

وفي إطار اشتراط الدعم مقابل تطبيق المناهج، ذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية في 7/8/2016 بأن وزارة “شؤون القدس” قرّرت عدم تقديم أي مساعدة لترميم مدارس ومعاهد فلسطينية في القدس المحتلة، إذا لم تعتمد هذه المؤسسات المنهاج التعليمي الإسرائيلي، وفي المقابل خصصت الوزارة نحو 20 مليون شيكل (حوالي خمسة ملايين دولار) كدعم للمدارس الفلسطينية التي تدرّس مناهج الاحتلال. وتأتي هذه الضغوط المالية مع معلومات عن مشاركة عددٍ من مديري المدارس الخاصة – الأهلية – في اجتماع مع رئيس بلدية الاحتلال نير بركات عقد في 8/9/2016، لمناقشة الخطة الاستراتيجية لقطاع التعليم، وقد أشار بركات في كلمته لـ “محتوى تعليمي جيد” في إشارة لاعتماد المناهج الإسرائيلية في هذه المدارس، وهو ما يشير بأن هذه المدارس تمضي في علاقتها مع الاحتلال بطريقة متدحرجة، وأن الانسياق وراء التمويل ما هو إلا الخطوة الأولى تمهيدًا لفتح المجال أمام الاحتلال لفرض سياسات أسرلة التعليم.
وعلى صعيد المناهج الفلسطينيّة، كشفت الصحف العبرية بأن بلدية الاحتلال وبالتعاون مع وزارة المعارف في حكومة الاحتلال، قررتا تشديد الرقابة على المدارس في القدس، التي تدرس المناهج الفلسطينيّة، وذلك قبل فترة بسيطة من بداية العام الدراسي. ويذكر بأن هاتين الجهتين قامتا مع بداية عام 2016 بوضع تعديلات على المنهاج الفلسطيني، حيث حذفت آيات من القرآن الكريم وأبيات شعر وطنيّة تتعلق بنضال الشعب الفلسطيني، إضافةً للنشيد الوطني الفلسطيني، وقد وزعت هذه الكتب “المعدّلة”، التي احتوت على صفحات بيضاء أو تشويه للنصوص المستهدفة بأسطر سوداء، على المدارس المقدسية. وشمل التغيير مواد التربية الوطنية واللغة العربية والتاريخ والتربية الإسلاميّة. ومع بداية العام الدراسي 2016/2017 وزعت بلدية الاحتلال نسخًا من هذه المناهج المحرفة على الطلاب الفلسطينيين، وفي مقابل هذه الخطوة قرّر وزير التربية والتعليم العالي صبري صيدم في 8/8/2016 تزويد مدارس القدس المحتلة كافة بالكتب المدرسية الفلسطينية مجانًا للعام الدراسي 2016/2017.

 

وفي إطار الحذف الذي طال المناهج الفلسطينية، ودفع الاحتلال المدارس لاعتماد مناهجه الخاصة، أشار متخصصون بأن المنهاج “الإسرائيلي” لا يقدم قدر المعرفة ذاته، ويحاول تجهيل الطفل الفلسطيني عبر تقديم المعلومات المغلوطة أو الركيكة، فمنهاج اللغة العربية يتضمن أخطاءً كبيرة جدًا، مما يؤدي إلى ضرب لغة الطفل الأم، ثم ينعكس ضعفًا في قدراته على الكتابة والنطق بالشكل السليم. كما يدرس الطالب الفلسطيني في منهاج الاحتلال تاريخًا مغلوطًا بعيدًا عن تاريخه وهويته، حيث تلغي هذه المقررات وجود الفلسطينيين وتجعلهم تحت مسمى “غير اليهود” أو “الأقليات” أو “جماعات إلى جانب اليهود”. كما يخدم ويعزز الرواية “الإسرائيلية” ويبني طروحاته للأطفال على محورين أساسيين هما “الحياة معًا في إسرائيل” و”أن نكون مواطنين في إسرائيل”، فتُقدم القدس عبرها بأنها “عاصمة إسرائيل”، والقومية هي اليهودية، كما يتعلم الطالب الفلسطيني عن قيام دولة “إسرائيل” وعن أهمية “الكنيست”، ويُجبر الطلاب على حفظ النشيد الوطني للاحتلال.
تقوم مناهج الاحتلال على قولبة أطفال القدس على مفاهيم مشاركة الاحتلال وتطبيع علاقتهم معه، مما يؤثر حتمًا في أجيال القدس القادمة، الذين نشأوا على نسخة مشوهةٍ من الوطنية والانتماء.

اترك رد