معركة بوابات الأقصى: جدواها ومآلاتها كتب| زياد ابحيص

لن ندخل من البوابات الإلكترونية، البوابات لأ.. موقف أعلنه المقدسيون ومن شاركهم الرباط من الفلسطينيين، فما جدواه؟ وما أفق المعركة الجارية على معركة الأقصى وما قيمتها بالنسبة لنا؟

ماذا يعني رفض الدخول من البوابات؟

يسعى الاحتلال الصهيوني إلى تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، ونقله بالتالي من كونه مقدّساً إسلامياً خالصاً، إلى خانة “الاشتراك” بين اليهود والمسلمين، وهذه الأجندة متدرّجة في الصعود والتقدم، يتبناها بشكل علني 7 وزراء في حكومة نتنياهو الذي يؤيدهم ويدعمهم مع تجنبه المشاركة معهم في الاقتحام والتجييش المباشر، وتتبناها كهدفٍ مركزي لها كتلةٌ من 14 نائباً في الكنيست، ويحظون بدعم وتأييد أحزاب اليمين الحاكمة كلها.

في الطريق إلى تحقيق هدفه هذا، يحاول نتنياهو وحكومته استغلال كل فرصةٍ مواتية لفرض واقعٍ جديد في المسجد الأقصى المبارك، وهذا ما فعلوه عقب عملية الجبارين عند باب الأسباط، إذ وضع بواباتٍ إلكترونية داخل المسجد، ما يعني أن من يدير المسجد عملياً من داخله هو الحكومة الصهيونية، ملغياً بذلك معنى وجود جهازٍ من حرّاس المسجد الأقصى المبارك، وليصبح بالتالي شريكاً للأوقاف في إدارة المسجد من الداخل. صحيح أن جنود الاحتلال كانوا موجودين على أبواب المسجد من قبل، ويمنعون الناس من الدخول على الأبواب، لكن ذاك كان منعاً سياسياً يصعب على حكومة الاحتلال الدفاع عنه، جنود يمنعون الناس من حقهم، أما بوجود البوابات، فالمنع سيصبح باسم حماية المسجد وأمنه، وسيُمسي نتنياهو إذن حامي حمى المقدّسات، أو خادم ثالث الحرمين يا رعاك الله!

رفض الدخول من البوابات يعني ببساطة رفض إضفاء شرعيةٍ إسلامية على هذا العدوان بما فيه من وضاعةٍ وتدليس، تضع الحكومة الصهيونية في موقع الوصاية على مقدّساتٍ إسلامية، وهو أمر لم تجرؤ عليه بريطانيا بعظمتها حين احتلت القدس وكانت تحتل معها نصف العالم، إذ اضطرت لاستحداث المجلس الإسلامي الأعلى عام 1921 وتسليمه للمفتي لاحقاً وتسليم شؤون الأقصى الأوقاف والمقدّسات إليه.

تحاول حكومة الاحتلال تسويق أجندة تقسيم المسجد الأقصى من موقع الضحية: أن اليهود لا يطالبون بالاستيلاء على المسجد، بل يطالبون فقط بحصةٍ فيه يحققون فيها تقديسهم للمكان، هم يطالبون بمجرد “الاشتراك” بينما يتبنى المسلمون موقفاً متعصباً، يحرصون فيه على “احتكار” المسجد لهم. في ظل خطابٍ كهذا، يحرص الاحتلال على الابتعاد عن صورة الاستيلاء التي لن يجد لها تأييداً حتى عند كبار داعميه، والأسوأ أنها تنهي بالنسبة له أفق التطبيع مع القوى العربية والإسلامية، فهي حتى وإن أحبت ستكون عاجزة عن مد اليد إليه وهو يضع يده على أقدس المقدسات ويسلمها للمستوطنين اليهود صباح مساء.

رفض الدخول من البوابات يعني ترك حكومة الاحتلال على الشجرة التي صعدتها، لقد فرضت تغييراتٍ من جانبٍ واحد، وفرضت نفسها مديراً للأقصى، ودون إضفاء مشروعيةٍ إسلاميةٍ على إجراءاتها ستفقد فكرة الشراكة، وستكون مضطرةً للتراجع أملاً في فرصةٍ أخرى قادمة.

هل نترك الأقصى وحيداً؟

هنا سؤال يخطر لكل مؤمنٍ تربطه بالأقصى عاطفة حبٍّ، يشفق على المسجد وهو يراه فارغاً، أحد المساجد الثلاثة الأقدس بلا صلاةٍ ولا جماعة. لكن الخيار في الأساس: هو بين قبول تقسيم المسجد لإدخال الناس إليه، أو تركه فارغاً لأيام أو لأسابيع حمايةً لهويته. أكنت ترضى أن تتقاسم بنوة ابنك مع السجان مقابل أن يسمح لك بزيارته؟ إن كنت ترضى فادخل عبر البوابات.

هنا يمسي مفهوماً تعمّد الاحتلال إدخال المقتحمين وتصويرهم منفردين، ليستثير في محبي الأقصى عاطفتهم ليندفعوا وراءها، فيكسب إضفاء الشرعية على تقاسمه للمسجد معهم.

هدفنا الذي نريد:

هذه معركة قامت لسببٍ محدد، ولا بد أن يكون لها هدفٌ محدد تسعى إليه، والهدف ببساطة استعادة المسجد بكامل صلاحيات الإدارة والحراسة كما كان ليلة الجمعة 14/7/2017 قبل عملية الجبّارين، ويجب أن يضاف إليه إلغاء كافة قوائم المنع، ففي هذه الغضبة الجماهيرية فرصة مناسبة لاستعادة ما انتزعه الاحتلال لنفسه من قبل، أن يتحكم بمن يدخل ومن لا يدخل في الأقصى.

هل ميزان القوى يسمح بذلك، لنجيب على السؤال: هل يحتمل الصهاينة حراكاً جماهيرياً مستمراً على مدى أسابيع؟ هل يحتملون تطوره إلى مقاومةٍ منظمة تستخدم كل ما بيدها من أدوات جماهيرية؟ هل يحتملون نشأة قيادة موحدة للدفاع عن المقدسات؟ هل يحتملون صناعة التحامٍ جماهيري بين القدس والأراضي المحتلة عام 1948؟ هل يحتملون انضمام الضفة إليه لو بعملياتٍ فردية؟ أم هل يحتملون احتمال اشتعال ثلاث جبهات. كل هذه خيارات يمكن أن تتطور إليها الأمور على الجبهة الفلسطينية، وهي خيارات محمودة لو حصلت، بل إننا نريدها ونبحث عنها بشدة لنتخلص من تبعات حقبة أوسلو الكارثية وثمارها المرة في التنسيق الأمني وتكبيل يد الفعل الفلسطيني، لكن الاحتلال ليس لمصلحته أن يقع أي واحد منها.

باختصار، نحن لسنا في عجلةٍ من أمرنا، ولتتفاعل معركة الأقصى ولتصل إلى حيث تصل.

هل تراجع الاحتلال في موضوع الأقصى من قبل؟

نعم، في شهر 3/2007 شرع بشكلٍ مفاجئٍ بهدم تلة المغاربة، وأمام غضبة المقدسيين وأهل الأرض المحتلة عام 1948 لم يتمكن من استكمال عمليات الهدم، وما يزال حتى الآن يحاول بشكلٍ تدريجي استكمال ما بدأه حينها قبل 10 سنوات، لكنه لم يكتمل، اما في 10/2012 حاول الاحتلال بناء جسرٍ جديد دائم إلى باب المغاربة ينطلق من ساحة البراق، وأمام الحراك الشعبي العربي قبل المقدسي، أعلن مكتب نتنياهو وقف الأعمال في الليلة التي كان مقرراً البدء بها. في شهر 10/2015 حاول الاحتلال فرض التقسيم الزماني التام، وأمام انطلاق انتفاضة الأقصى عاد ليستنجد بالأمريكان ليساعدوه عبر تفاهمات كيري التي حاولت احتواء الوضع مع ترجيحٍ نسبي لكفته، ليعود ويلتف حول مأزقه بحظر الرباط والحركة الإسلامية لقتل الروح الشعبية التي هدّدته، ويواصل محاولاته للتقسيم من جديد.

كيف يمكن أن يتطوّر المشهد؟

هذه المواجهة أصعب من سابقاتها، فالاحتلال وضع تغييراً ملموساً، وإزالته ستكون هزيمةً ملموسة، سيحاول تجنبها بكل السبل، وهو لن يقبل بها قبل أن يجرّب كل ما في جعبته: من تنكيلٍ بالمرابطين واستخدامٍ للقوة والبطش، من إصاباتٍ واعتقالاتٍ وشهداء، سيعمد إلى رؤوس هذا الحراك ليدفعوا ثمناً غالياً له، ويبحث عن قادةٍ مستعدين لقبول البوابات فيقبل بالتفاهم معهم ليفرضهم على الجمهور ممثلين له، وعلينا إذن أن نستعد لمواجهةٍ قد تطول، وأن ندرك أن أخبار النصر السريع تضر معركتنا هذه وتصيبها في مقتل، بل قد يتعمّد الاحتلال تسريبها لإضعاف التحرك الجماهيري.

لكن إذا ما استمرّ الحراك وكانت الأعداد تتزايد يوماً بعد يوم، فلا مفر أمام الاحتلال من التراجع، وقد يكون قبوله بتحطيم هذه البوابات بيد المصلين دون أن يعيد نصبها الشكل الأقرب إلى تحقيق ذلك، والشكل الذي ينبغي التطلع إليه.

ماذا نحتاج للانتصار في معركة البوابات:

أولاً: نحتاج إلى مدٍّ جماهيري دائم، فهذا الأقصى رمز قضيتنا وكرامتنا ووجودنا، وكل إصابةٍ أو جرحٍ لا بد أن يضيف إلى المد الجماهيري روحاً جديدة.

ثانياً: استثمار الجمعة: عندما يخرج الجميع نحو الأقصى في القدس والضفة والداخل المحتل ستخلق حالة ضغطٍ كبيرة على كل قطاعات الجيش التي تحاول قطع الطريق، وسيضطرون إلى ترك عددٍ أكبر يمر لإدارة هذا الضغط، ومع حلول وقت الصلاة ستتحول كل نقطة عبور تجمع عندها الناس نقطة مواجهةٍ مناسبة، فتنتشر المعركة على البوابات من باب الأسباط إلى كل حاجزٍ وشارع.

ثالثاً: قيادة موحدة للدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات: لتمنع الاحتلال من شق الصف، ومن فرض قيادةٍ تقبل البوابات وصيةً على الجماهير التي ترفضها، وتجعل توجيه المعركة بيد قيادةٍ جماعية فلا تتبعثر الجهود، ولا يتمكن المحتل من فتح أبوابٍ جانبية هنا وهناك. هذه القيادة لا تقتصر على من شابت منهم الرؤوس مع الاحترام والتقدير، لا بد لشبابٍ من القدس والداخل أن يبادروا ويسدوا الفراغ الكبير القائم.

رابعاً: حسن إدارة المعركة: المواجهة الجماهيرية تتطلب وعياً في اختيار المكان، وهنا لا بد من خوض المواجهة ضمن طوقين على الأقل: طوق عند أبواب المسجد الأقصى في أزقة البلدة القديمة، وهي مساحات محدودة تعين الاحتلال على المطاردة أحياناً، لكنها تعين المرابطين على المناورة وعلى سد الطرقات، وعلى مستوىً أوسع من حول البلدة القديمة، على أبوابها أو في الأحياء الأوسع في وادي الجوز وسلوان ورأس العامود أو حتى على النطاق الأبعد؛ حتى لا يطمئن الاحتلال إلى أنه يواجه حالةً محصورة لا تعيق سيطرته على مناحي الحياة خارجها.

خامساً: الدعم العربي: وهو ركن محدود حتى الآن، وإذا كان النظام الرسمي العربي مهترئاً، فالأقصى عنوان الوجدان الشعبي، والمظاهرات في عمان احتشدت منذ اليوم الأول من الأزمة وكذلك في الرباط يوم الأحد، وهي ستحتشد الجمعة القادمة في أكثر من عاصمة عربية رغم الجراح الكبيرة في هذه الشعوب، ورغم الأسى والمرارة من محدودية هذا الدعم، إلا أن هذه المحدودية لا تلغي أفق الانتصار في هذه المعركة.

اترك رد