|
"الأضحى" عند أهالي شهداء "الفرقان".. نحرٌ لفرحة ال |
|
ثاني عيد بعد الحرب الأخيرة
’’الأضحى’’ عند أهالي شهداء ’’الفرقان’’.. نحرٌ لفرحة العيد بسكين اجترار الذكريات (تقرير)
كأية مناسبة لها طقوسها وتحضيراتها الخاصة، يطل من جديد عيد آخر على قطاع غزة المحاصر، عيد الأضحى المبارك، لينكأ الجراح في قلوب معظم الغزيين الذين فقدوا أحبتهم في الحرب الأخيرة على القطاع المنكوب، وعاشوا يتجرعون الألم يومًا بعد يوم ويزدادون حزنًا عيدًا بعد عيد.
التحضيرات في غزة على قدم وساق ما بين شراء الأضاحي وملابس العيد لأطفال.. يحنون كثيرًا لبسمة يرسمونها على شفاهٍ عانت كثيرًا من الألم خلال الشهور العشرة الماضية، فلا يوجد بيت في غزة المكلومة إلا ويعاني الفقد بشكل أو بآخر، ولكن يحاول الكبار المكابرة والشد على الجراح في سبيل إدخال الفرحة على قلوبٍ تحنُّ إليها؛ فبيوت أهالي شهداء الحرب الأخيرة تحولت إلى بيوت عزاء في أيام عيد الفطر السابق، وتجدد لديهم البكاء والألم من جديد، وها هو ثاني عيد يمر على هذه البيوت، فكيف كان استعدادها لاستقباله من جديد؟!
عيد بلا فرحة
هكذا أجابت أم محمد السموني زوجة الحاج المرحوم صالح السموني التي فقدت بيتها وزوجها في الحرب، وبعده وحاولت التعالي على الجراح وترميم ما يمكن ترميمه ومواصلة الحياة مع ابنتيها وابنيها في بيتٍ صنعوه من بقايا أحجار وبلاط البيت القديم، وسقفوه بسعف النخل وقطع النايلون القديم، ليكون هو المطبخ والحمام وبجانبه خيمة صغيرة للنوم!.
أم محمد التي كانت عليها مسؤولية مواصلة الحياة بعد فقد الزوج لتوفر لابنتها المعوقة وبقية الأولاد الحد الأدنى من ظروف المعيشة؛ ابتسمت حين سألناها عن تحضيراتها للعيد وقالت: ’’العيد إله ناسه.. خلي العيد لأصحابه، من وين ييجي العيد علينا واحنا فقدنا كل أحبائنا؟!
زوجي الحاج صالح رحمه الله هو من كان يدخل الفرحة على قلوبنا؛ يأخذ البنات يشتري لهن ملابس العيد وكل ما نحتاجه، ولا مرة شافني مهمومة أنا والبنات إلا وصار يضحكنا ويقول: ما بدي أشوفكم مكشرين!’’.
وتمسح دمعة ترقرقت في عينيها لتقول: ’’بعد فقده رحمه الله لم يعد في الدنيا ما يستحق أن نفرح لأجله.. نحن نحاول الاستمرار في العيش لأجل الأولاد فلا يزالون صغارًا’’.
عيد يعيد الجراح!
وعن ذكريات العيد الماضي تقول أم الشهيد صالح: ’’العيد الماضي جدد الجراح لدى عائلة السموني؛ حيث تم فتحت خيمة عزاء للشهداء وتجددت الجراح من جديد؛ فكل بيت من هذا الحي فقد شخصًا عزيزًا عليه أو أكثر؛ آباء بلا أولاد أو أولاد بلا آباء، فكيف يحتفلون بالعيد؟!’’.
وتضيف: ’’صحيح أن هناك الكثير من المؤسسات الخيرية التي أحضرت ملابس العيد لأطفالنا لتعوضهم عن رحيل آبائهم وأمهاتهم، ولكن!! ملابس جديدة وفرحة غائبة، فكيف لنا أن ننتظر العيد؟!’’.
وعن تحضيرات الحي لهذا العيد أوضحت: ’’الحزن هو هو؛ يتجدد مع كل مناسبة، وحتى لو توفر لنا كل شيء عن طريق المؤسسات الخيرية من مأكل وملبس لأطفالنا، إلا أن خيمة العزاء ستفتح يوم العيد، فهذا واقعنا الجديد الذي فرضه علينا المحتل الصهيوني لينزع الفرحة من قلوبنا إلى الأبد!.. كانت عادتي أن أعد بيتي لاستقبال أهلي وأهل زوجي في منزلي، وها أنا ذا لا منزل ولا زوج ولا إخوة ولا حتى أعمام وأولاد أعمام لبناتي!’’.
كانوا عيدنا
لم تكن عائلة السموني هي العائلة المنكوبة الوحيدة في قطاع غزة؛ فهناك من فقد الشهيدين والثلاثة والأربعة أيضًا، فتحدثنا زوجة الشهيد العبد بنر، وهي أم لثلاثة شهداء قضوا مع والدهم في حرب ’’الفرقان’’ على غزة أثناء عودتهم إلى بيوتهم بعد فراغهم من عزاء ابنهم مدحت فتقول: ’’هذا العيد يجدد الجراح لفقدي زوجي ’’أبو إيهاب’’ وأبنائي الثلاثة؛ فقد بدأت معاناتنا حين استشهد ابني مدحت، وتضاعفت حين لحق به والده وشقيقاه شادي وأحمد وابن عمه أشرف، ومع اقتراب عيد الأضحى -وهو ثاني عيد يمر بعد الحرب- عادت الأحزان والبكاء إلى بيتنا من جديد’’.
تروي لنا زوجة الشهيد العبد وأم الشهداء الثلاثة تفاصيل استقبال العائلة عيد الفطر الماضي، فتبدأ حديثها قائلة: ’’ملأ الألم قلوبنا جميعًا؛ فبناتي اللواتي كن متعلقات بوالدهن، وأطفال أبنائي لم يشعروا بفرحة العيد كالأعوام السابقة؛ فقد عاد الحزن يلف البيت، خاصة أن الأقارب والجيران قدموا إلى البيت لمواساتنا مع اقتراب الذكرى السنوية لهم، واستبدلت في بيوتنا القهوة السادة والتمر بالحلويات والعصائر’’.
وتتابع: ’’مع الحزن الشديد قهرت ألمي وحزني وذهبت إلى السوق لشراء ملابس العيد لأطفالي وأحفادي، ولكنهم لم يشعروا بالسعادة؛ لفقدانهم آباءهم الذي كانوا يعطونهم العيدية ويأخذونهم إلى الملاهي ويلعبون معهم’’، وتواصل حديثها والدموع تغرق وجهها: ’’يكفي دخولهم عليهم يوم العيد بابتسامة وقبلة وأحضان دافئة بعد صلاة العيد’’.
أين أبي؟!
وتذكر موقفًا لأحد أحفادها في صبيحة العيد الماضي قائلة: في صباح يوم العيد أتى حفيدي إليَّ مع تكبيرات العيد يسألني عن والده قائلاً: ’’وين أبوي؟.. راح يصلي العيد ويجيب إلنا حلويات؟’’، وصار يبكي لأنه يريد أن يلتحق به إلى المسجد، وهدأت من روعه وقلت له: أبوك راح الجنة يجيب إلك الحلويات والشيكولاته والهدايا من هناك’’.
وأردفت: ’’هذا العيد لم أقوَ على الذهاب إلى السوق، ولم أشتر شيئًا لهم؛ فربنا وحده يعلم ما بي من حزن لفقدي أبنائي وزوجي!’’.
هذا ما يمثله العيد لأهالي الشهداء؛ يأتي ليعطيَ الإذن للأحزان كي تقتحم المنازل وتداهم البيوت وتفتش عن بقايا فرحةٍ لم يبق لها مكانٌ فيها ولا مبرر، بعدما فقدت بسمة الأب الحنون وضحكة الابن البار؛ فمتى تلملم غزة الجراح؟!
|
 |
|
|
|
 |
من الإرشيف |
 |
| |
|
|
|